مؤسسة البيان للتواصل والتأصيل
المقدمة
يُطلق على العصر الحاضر، بسبب إخفاق المدارس البشرية في معالجة الأزمات الروحية للإنسان، اسم «عصر أزمة المعنى». فقد اجتاحت الأزمات الفكرية والأخلاقية والسياسية والثقافية وما شابهها حياة البشر على نحوٍ جعل سعيهم الدؤوب والمتواصل للعثور على وصفةٍ مُحيية تقودهم إلى السعادة مستمرًّا دون انقطاع.
وقد أدّى هذا الواقع إلى تزايد الإقبال على الإسلام بوصفه دينًا مُحييًا، يقدّم—بالاستناد إلى التعاليم الإلهية—مبادئ أصيلة لمعالجة القضايا الدنيوية والروحية، ويعرض برنامجًا ساميًا لتحقيق السعادة الأبدية للإنسان. حتى إن وتيرة الانتماء إلى هذا الدين، مقارنةً بغيره من الأديان، آخذة في الازدياد، وهو ما أفضى أحيانًا إلى تصاعد مظاهر العداء في مواجهة الإسلام والمسلمين.
ومع ذلك، فإن المجتمعات الإسلامية نفسها تضمّ مذاهب متعدّدة، على الرغم من كثرة المشتركات بينها، إلا أنّ لكلٍّ منها تعاليمه الخاصة. فمن التيارات المتطرّفة كالجماعات التكفيرية، إلى الاتجاهات المعتدلة والنزعات القومية والعلمانية، تتعدّد القراءات المقدَّمة للإسلام، وبعض هذه القراءات يتعارض تعارضًا تامًا مع تعاليمه الأصيلة، بل ويُسهم في تغذية ظاهرتي الإسلاموفوبيا والعداء للإسلام.
أما التشيّع، الذي تعود جذوره إلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فيرتكز على ركنين أساسيين هما القرآن الكريم وسنّة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، كما نصّ على ذلك حديث الثقلين، فضلًا عن اعتماده العقل السليم. وينطلق من إيمانٍ مفاده أنّه في هذا العالم المتعدّد، يمتلك إطارًا راسخًا وبرنامجًا منسجمًا وفعّالًا لهداية الإنسان نحو السعادة.
غير أنّ محدودية التواصل بين المفكّرين الشيعة والمراكز العلمية عمومًا، ولا سيما المراكز العلمية والبحثية في العالم الإسلامي، قد أدّت إلى ضعف حضور الخطاب الأصيل للتشيّع الإمامي ومشاركته على النحو المأمول، وهو ما أسهم في تراجع بروز الفكر الحيّ لأهل البيت (عليهم السلام) في المحافل العلمية والثقافية العالمية.
ومن جهة أخرى، لا تزال تفتقر الساحة إلى إحصاءات ومعلومات دقيقة ومحدّثة تعكس على نحوٍ شامل طاقات المجتمع الشيعي العالمي، وتقدّم صورة واقعية عن وضع التشيّع في العصر الراهن. كما أنّ البيانات المتاحة تفتقد إلى الدقّة والعمق اللازمين، الأمر الذي أضعف قدرة المراكز والتجمّعات الشيعية على التكامل والتآزر، وفي المقابل زاد من الأنشطة المتوازية والجزيرية. وتتجلّى حساسية هذا الأمر بصورة أوضح حينما تقوم جماعات متطرّفة أو غير مطّلعة على معارف القرآن والسنّة الأصيلة، عبر حضور إعلامي مكثّف أو ممارسات غير لائقة، بإثارة الآخرين أو التدخّل في شؤون الأقوام والجنسيّات المختلفة، بما يفاقم من عزلة الشيعة في المجتمعات الأخرى.
وعلى الرغم من امتلاك الخطاب الشيعي لمعارف قيّمة، إلا أنّ قصور تقديمه في ساحة التنافس مع التيارات الفكرية والثقافية الأخرى، يفرض الحاجة إلى إعادة صياغته ضمن قوالب حديثة تواكب متطلّبات العالم المعاصر. وقد أفضى هذا الحضور المحدود إلى تمكّن الخصوم—بحكم معرفتهم بأذواق الجمهور الدولي واعتمادهم قوالب معاصرة في عرض المحتوى—من الاستحواذ تدريجيًا على مرجعية التعريف بالتشيّع، بحيث لا تُنقل صورته إلى غير الشيعة على النحو اللائق والمناسب.
ومن هنا، تسعى مؤسسة البيان، من خلال مقاربة علمية وبالاستفادة من الأدوات الثقافية والإعلامية، إلى تقديم عرضٍ واضح ومنهجي لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وتهيئة أرضية للحوار والتعرّف المتبادل مع سائر المدارس والأديان والمذاهب. وتنطلق المؤسسة في ذلك من قول الإمام الرضا (عليه السلام): «إِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا»، معتبرةً أنّ العرض الدقيق والسليم لمعارف أهل البيت (عليهم السلام) في مختلف أبعادها الفكرية والأخلاقية والحقوقية والسياسية والاجتماعية هو السبيل الوحيد للتعريف الصحيح بمدرسة القرآن والسنّة العظيمة.
الرسالة
تنطلق مؤسسة «البيان للتواصل والتأصيل» من إيمانها بحقيقة وأصالة مضامين مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وتهدف إلى التعريف بقضايا التشيّع، ولا سيما لدى غير الشيعة. وتسعى إلى عرض أبعاد المنظومة المعرفية لأهل البيت (عليهم السلام) من منظور علماء الشيعة، وبما يتوافق مع متطلّبات العصر وفي أطر عالمية، مع الحرص على التفاعل الواسع مع المراكز والجماعات غير الشيعية، سعيًا إلى تحقيق فهمٍ مشترك لهذه المعارف.
الاستراتيجيات
تقديم منظومة المعرفة والعمل في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بصورة دقيقة ومنهجية، وفي مجالات متعدّدة، وضمن قوالب علمية عالمية حديثة، مع مراعاة قضايا العالم المعاصر.
الاستجابة للاحتياجات البحثية والتعليمية المتنوّعة في مجال الدراسات الشيعية من خلال تقديم خدمات ثقافية متخصّصة.
توسيع نطاق التفاعل والتعاون مع المراكز والمؤسسات غير الشيعية في العالم، استنادًا إلى منطق الحوار العلمي والالتزام بالمعايير الأخلاقية والمهنية.
حصر المعلومات وتنظيمها، وبناء شبكة تواصل بين المراكز والشخصيات والأنشطة الشيعية على المستويين الإقليمي والعالمي، وتصميم برامج ومشاريع مشتركة.
استشراف مستقبل الدراسات الشيعية بهدف رسم آفاق متوسطة وبعيدة المدى، وتقديم المشورة للقرارات الراهنة، وتعزيز القدرة على الاختيار الذكي بما ينسجم مع الظروف ومتطلّبات صناعة عالم الغد.
التعريف ببعض برامج المؤسسة
موسوعة المعارف الشيعية
تأليف مجموعة من الكتب المبسّطة والمصنّفة، ذات طابع تفسيري–وصفي، للتعريف بثقافة ومعارف التشيّع لغير الشيعة في مجالات متعدّدة، وبما يراعي الاحتياجات والقضايا والأولويات الراهنة.
إعداد المصادر المرجعية في الدراسات الشيعية
تنظيم وتدوين المعارف والمعلومات المتعلّقة بالتشيّع في إطار مصادر مرجعية، وإتاحتها للنخب على المستوى العالمي.
إنشاء قاعدة بيانات وإحصاءات شاملة عن الشيعة
جمع ومعالجة دقيقة ومحدّثة لبيانات وإحصاءات الشخصيات والمؤسسات والمراكز والمؤتمرات والمؤلفات وما شابهها في مجال التشيّع، ضمن نظام معلوماتي متكامل يُتاح للمؤسسات والشخصيات المعنية.
الدورات التعليمية في الدراسات الشيعية
تنظيم أو مشاركة دورات تعليمية متنوّعة في موضوعات مختلفة من الدراسات الشيعية لغير الشيعة، والتعريف بالأبعاد العلمية والثقافية والاجتماعية والسياسية للتشيّع.
الندوات العلمية والملتقيات التخصّصية
عقد ندوات علمية وملتقيات تخصّصية في إطار حوارات شفافة ومحترمة مع المجموعات الأخرى، بهدف تبيين معارف التشيّع وتعزيز الفهم المتبادل والسعي إلى معالجة القضايا الخلافية، بعيدًا عن الأهداف الإعلامية والدعائية.
تقديم الخدمات البحثية والثقافية
تقديم خدمات بحثية وثقافية متنوّعة للمهتمّين بدراسة التشيّع والباحثين فيه، من قبيل ترشيح المحاضرين، وتقديم الاستشارات لتأليف الكتب والمقالات والرسائل الجامعية ذات الصلة، وإنشاء مكتبة متخصّصة في الدراسات الشيعية مصنّفة موضوعيًا، واقتراح مسارات مطالعة، والتعريف بالفرص الجامعية والحوزوية في مجال الدراسات الشيعية، وغيرها.